ثم تأتي أيها الكاتب وتبرر إيجاد اختلاف بين المسلمين مستدلا في ذلك بجزأين من آيتين قرآنيتين في غير ما وردتا له، وهما قوله تعالى: { .... وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ118 إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} . فهما جزءان من آيتين قرآنيتين أدمجتهما في بعضهما، وجعلت منهما آية متكاملة لتستدل بها على رأيك الخاص حسب هواك.
والآيتان قد وردتا بصدد تقرير حال الناس وتوزعهم بين الإيمان والكفر بناء على اختيارهم هم، ولكنك أخذت منهما هذين الجزأين اللذين لا يدلان على السياق الذي وردتا فيه، وتركت بقية أجزاء الآيتين.
والآيتان بكمالهما هما قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ118 إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} : هود: 118،، فقد تركت من الآية الأولى قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ... } كي تصنع من الجزء الذي بعدها دليلا حسب هواك وقد نطقت الآية هنا بكلمة (الناس) ، ولم تقل المؤمنين. وهي إذا كانت تقريرية في اختلاف الناس بين الإيمان والكفر، فإن أسلوبها يعطي عدم رضا اللَّه عن ذلك، لأنه قال: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} . فهي أسلوب خبري غرضه البلاغي إعلان غضب اللَّه على من اختلف، وترك الإيمان إلى الكفر. وفي قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء ... } إشارة إلى أن الأصل أن يكون الناس أمة واحدة في الإيمان. ولكن بما أن الإنسان مجزي بعمله وسعيه فقد ترك اللَّه إجبار الناس على الإيمان، إعمالًا لهذا الأصل. ومع ذلك فهو سبحانه غير راض عن هذا الاختلاف الذي جاء بسبب كفر الكافر.