ويؤيد عدم هذا الرضا قوله تعالى في نهاية الآية الثانية- وهو الجزء الذي تركته- { ... وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي ممن استحبوا العمى على الهدى، أو اختاروا الكفر على الإيمان، وأوجدوا هذا الاختلاف والتوزع.
فلم تتصرف هذا التصرف في الآيتين الكريمتين؟ ولم تضع نفسك هذا الموضع؟.
ثم إنك تتناقض مع نفسك في اجهادها لإثبات هذا الاختلاف بين الأمة الإسلامية، مع أنك ترى بنفسك مع بقية المسلمين والعلماء المؤمنين أن الاختلاف بين علماء المذاهب أو الآراء من المسلمين ليس اختلافًا في الحقيقة، وإنما هي وجهات نظر في المسائل الفرعية، دون المساس بالأصول.
فلم هذا التناقض منك؟ ولم هذا الاختلاف الذي تقول به وأصول الإسلام واحدة؟!! وقد قلت أن الاختلاف هو في الشكليات فقط فكيف يصل إلى الاتجاهات والدوافع؟ وكيف يكونون مسلمين، وهم مختلفون؟ فهذا الاختلاف الذي أشرت إليه لم يرد إلا في قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} ، وذلك في شأن الاختلاف بين الكفر والإيمان، لا الاختلاف داخل الإيمان، فإن هذا نهى عنه الدين، فقال جل شأنه: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} ، وقال: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} وقال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} لذلك ندعوكم إلى كلمة سواء: كتاب اللَّه وسنة رسوله أي إلى دين اللَّه قبل ظهور التصوف.
فليس هناك في الإسلام سلفية وصوفية، أو غيرها، وإنما الإسلام فقط هو السلفية، ومن اختار غير ذلك، فقد اختار غير سبيل المؤمنين كما قال تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} .