فهرس الكتاب

الصفحة 3617 من 18318

ذلك لأن الحج جهاد لا قتال فيه، يتضمن العبادة المالية والبدنية، ففيه يبذل الحاج من ماله وراحته الشيء الكثير، فيخرج مفارقًا أهله ووطنه، تاركًا أشغاله وأعماله، معرضًا عن زينة الدنيا ونعيم الحياة، مقبلًا على ثواب الآخرة ونعيمها، تراه من وعثاء السفر أشعث أغبر، ضارعًا إلى ربه، باكيًا من ذنبه، ينطق بالتلبية متذللًا، ويستغفر مولاه نادمًا خائفا، فيسأل ربه الكريم أن يكون حجه مبرورا، وسعيه مشكورا، وذنبه مغفورا، وتجارته لن تبور {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} .

أليس في كل ذلك ما يهذب النفس العاصية، ويردها من الحج نقية طاهرة؟ قد شملها اللَّه بمغفرته، وغشيها برحمته. ولذا بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من حج ولم يخلط حجه بمعصية أو شيء يثير في نفسه الميل إلى الشهوات، أصبح نظيفًا من الذنوب والآثام، وعاد كيوم ولدته أمه لم يرتكب من الذنوب شيئا، لأن الحج توبة، والتوبة تجب ما قبلها (تجب: بضم الجيم وتشديد الباء) .

إن الحج لبيت اللَّه الحرام يذكر الإنسان بأول مكان أعده اللَّه تعالى لعبادته، وطهره للطائفين والعاكفين والقائمين، بزغت من سمائه شمس الهداية الإسلامية، فأرسلت أشعتها على الأرض، تنشر في أرجائها دينا أساسه توحيد اللَّه تعالى، ويبعث في الناس عدلا ورحمة. كما يذكر الحاج بمكان الرسالة، ومنزل الوحي، ومأمن الخائف، وملجأ العائذ، وقبلة المسلمين، وهداية السلف الصالح {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت