الأول: أن يكون دليلًا مركبا من مقدمات مسلمة في المشهور عند الجمهور، أو مقدمات مسلمة عند ذلك القائل. وهذا الجدل هو الجدل الواقع على الوجه الأحسن.
الثاني: أن يكون ذلك الدليل مركبا من مقدمات باطلة فاسدة إلا أن قائلها يحاول ترويجها على المستمعين بالسفاهة والشغب، والحيل الباطلة، والطرق الفاسدة.
وقد قصرت الآية الدعوة على الحكمة والموعظة الحسنة، لأن الدعوة إن كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية فهي الموعظة الحسنة، أما الجدل فليس من باب الدعوة، بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة وهو الإلزام والإفحام، فلهذا السبب لم تقل الآية: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدل الحسن، بل قطعت الجدل عن باب الدعوة تنبيهًا على أنه ليس بابًا لتحصيل الدعوة، وإنما الغرض منه الدفاع عنها، ورد الشبه والنحل والمفتريات التي تثار حولها.
هذا الترتيب .. ما معناه؟
والحكمة والموعظة والجدال بالترتيب، هو ما اصطلحوا على تسميته في"أدب البحث والمناظرة"بالبرهان والخطابة والجدل.
غير أنه سبحانه قيد الموعظة الحسنة، والجدل بالتي هي أحسن، ففيه دلالة على أن من الموعظة ما ليست بحسنة ومن الجدال ما هو أحسن، وما ليس بأحسن ولا حسن، واللَّه تعالى يأمر من الموعظة بالموعظة الحسنة، ومن الجدال بما هو أحسن.
والتفكير السليم يؤيد ذلك ويؤكده، ذلك لأن سبيله تعالى هو الاعتقاد الحق، والعمل الحق، ومن المعلوم أن الدعوة إليه بالموعظة مثلا ممن لا يتعظ بما يعظ به ليس موعظة حسنة.
وكذلك الدعوة إليه- مثلا- بالمجادلة عن طريق المغالطات ليس مجادلة بالتي هي أحسن.
والجدال أحوج إلى كمال الحسن من الموعظة، ولذلك أجاز سبحانه من الموعظة حسنتها، ولم يجز من المجادلة إلا التي هي أحسن.
ثم إن في قوله تعالى: {بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أخذًا بالترتيب من حيث الأفراد.