وذلك لأن الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان والسلام، تجمع شمل المسلمين وتبعدهم عن فتنة الكافرين لهم، حيث كانت قريش تمنع المسلمين من إقامة شعائر دينهم، كما سلطت عليهم أنواع البلاء والعذاب. فلما اشتد الأذى بالمسلمين، أذن الله لهم أن يهاجروا إلى المدينة، فبدل الله خوفهم أمنًا، ووجدوا من الأنصار خير ترحيب، وأفضل إخاء (( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) ) [الحشر: 9] .
فكانت هجرة المسلمين نصرًا للدين، وتمكينًا للمسلمين، إذ تعاهد المهاجرون والأنصار على مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يشركوا بالله شيئًا، وأن يدافعوا عن دينه، وأن ينصروا نبيه، فبايعوه على الموت حتى يأتي نصر الله.
وصدق المسلمون فيما عاهدوا الله عليه، حتى انتهت الحروب بفتح مكة في العام الثامن للهجرة، وكان النصر المبين. وبذا انتهت هجرة المسلمين إلى المدينة، ولكن بقى الجهاد إلى يوم القيامة، فقال صلى الله عليه وسلم (لا هجرة بعد الفتح) أي فتح مكة (ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا) أي إذا طلب منكم النفار للقاء العدو فأخلصوا النية لله، ليكون جهادكم في سبيل الله وأجركم على الله.
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
بُعث النبي صلى الله عليه وسلم بين قوم يقدسون الأحجار، ويعبدون الأوثان. عقائدهم متنافرة، وأخلاقهم متباينة، ينكرون البعث والحساب، ويئدون البنات حيات، ويعيشون على نهب التجارات وشن الغارات، يتميزون بصفات البداوة كالجفاء والكبر والصلف والفخر والغلظة والإعجاب، لا دين يجمعهم، ولا ملة يدينون بها تؤلف قلوبهم.