فهم يعترفون بأن الخلق لله، وأنه هو الذي يدبر الأمر، ولكن إذا سئلوا عن سبب عبادتهم لغير الله قالوا (( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) ) [الزمر: 3] . وتلك حجة من أشرك بالله، وأسلم قلبه لغير الله، شأنه في ذلك شأن من يشدون الرحال للبدوي أو الدسوقي أو الحسين رضى الله عنه وغيرهم من المقبورين، فيسألونهم من دون الله، ويلتمسون منهم قضاء الحاجات، ومنح البركات، وكشف الكربات، ويصرفون حق الله من دعاء وخشوع إلى قبور لا يعلم مصير أصحابها إلا الله، وتلك أمة قد خلت (( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 134] .
ولكن الذين تعلقوا بهم وجعلوهم موضع الآمال، ومحط الرجاء خلعوا عليهم ألقاب الولاية من عندهم، بمجرد أن اتخذت قبورهم مساجد، أو بنيت القباب على قبورهم، وهم في واقع الأمر أموات غير أحياء، وما يشعرون أيان يبعثون. فإذا اتخذت هذه القبور لتقرب إلى الله زلفى، كان ذلك شركًا بنص القرآن الكريم.
فلما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد الخالص الذي دعت إليه الرسل، عارضته قريش بكل شدة، ولاقى من أذاهم مالا تحتمله الجبال، واشتد أذاهم كلما رأوه يصلي عند البيت الحرام، وكان أكثر الناس إيذاء له جماعة سموا بالمستهزئين، لكثرة أذاهم، وأولهم أبو جهل عمرو بن هشام وأبو لهب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والأسود بن يغوث، والوليد بن المغيرة. وكل هؤلاء انتقم الله منهم كما قال في سورة الحجر (( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ*الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًاءَاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) ) [الحجر: (95 - 96) ] .
لقد تمكن الكبر والصلف من قلوب قريش، فسلطوا أذاهم على كل من دخل في دين الله، ولكنهم كانوا أقوى إيمانًا، وأصلب عودًا وصاروا في الأرض سادة بعد أن كانوا مستضعفين.