فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
رُويَّ أنه صنع يومًا طعامًا فاخرًا، وزخرف مجالسه، ثم أحضر الشاعر أبا العتاهية وقال له: صف ما نحن فيه من نعيم الدنيا. فأنشد:
عش ما بدا لك سالما في ظل شاهقة القصور
فقال الرشيد أحسنت، ثم ماذا؟ فأنشد:
يسعى إليك بما اشتهيت لدى العشية والبكور
فقال أحسنت أحسنت، ثم ماذا؟ فأنشد:
وإذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنًا ... ما كنت إلا في غرور
فبكى الرشيد بكاء شديدًا. فقال بعض الحاضرين لأبي العتاهية: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته. فقال الرشيد: دعه، فإنه رآنا في عمى، فكره أن يزيدنا منه.
والتاريخ مملوء بالعبر والعظات، والشواهد في ذلك كثيرة. فكم من الخلفاء قربوا إليهم رجال السوء، وبطانة الشر، كما استعملوا من الأمراء غير الأكفاء، ممن اشتهروا بالنفاق والتزلف للخلفاء، فاندلعت نيران الثورات، ودكت معاقل الخلفاء، كما جرى للعهد الأخير في دولة بني أمية، ودولة بني العباس. فإنهم حينذاك حملوا على علماء المسلمين، وشردوا أصحاب الرأي، كما حدث لأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل وغيرهما من أهل الورع والتقى، فزلزل سلطانهم، وباد ملكهم، وساءت عاقبتهم، فهلكوا وهلكت بطانتهم، وتمكن العدو منهم، بعد أن تنكبوا السبيل، وعز عليهم الصواب، بإقصاء العلماء العاملين، وذوي الرأي السديد.