وكان عمرو بن العاص ذا دراية بالبحر، فقد سبق أن ركب البحر الأحمر إلى النجاشي ملك الحبشة حين أرسلته قريش لمطاردة المسلمين الذين هاجروا فرارًا بدينهم من تعذيب قريش.
كما أن عمرو بن العاص فتح مصر، وكان لها أسطول حربي، وعلم عمرو من أنبائه ومن أخباره الكثير.
وقد كتب عمرو بن العاص إلى الخليفة يقول في وصف البحر:
«إني رأيت خلقًا كبيرًا يركبه خلق صغير، ليس إلا السماء والماء، إن ركن خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين قلة، والشك كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق» . فلما قرأ عمر هذه الرسالة قال: والذي بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق لا أحمل فيه مسلمًا أبدًا.
ثم كتب إلى معاوية:
«لقد بلغني أن بحر الشام يشرف على أطول شيء من الأرض، فيستأذن الله في كل يوم وليلة في أن يفيض على الأرض فيغرقها، فكيف أحمل الجنود على هذا الكافر المستصعب، وتالله لمسلم واحد أحب إلي مما حوت الروم، فإياك أن تعرض لي» .
لقد رفض عمر مطلب «معاوية» لأنه كان يخشى على المسلمين من ركوب البحر، ويحرص عليهم، ويرى أن فردًا واحدًا من المسلمين أحب إليه من ملك الروم كله، فلا داعي للمخاطرة بأرواحهم، ما دام الروم قد ابتعدوا عن بلاد الإسلام، وهم يلقون جزاءهم أن سولت لهم أنفسهم بالغارة على أرض المسلمين.
ولكن «معاوية» لم ينزل عن رأيه، ولم يتوان عن الاستعداد لركوب البحر، فلما وُليّ عثمان بن عفان كتب إليه معاوية يستأذنه في ركوب البحر لمهاجمة الروم في عقر دارهم .. فأجابه عثمان آخر الأمر على ذلك وقال له:
«لا تنتخب الناس، ولا تقرع بينهم، خيرهم، فمن اختار الغزو طائعًا فاحمله، وأعنه» .