وهكذا كان معاوية حريصًا على ركوب البحر، يرى أن المسلمين ليسوا أقل قدرة من الروم، وأنه ما دام الروم يركبون البحر، ويغيرون على سواحل المسلمين فلا بد أن يتخذ لهم المسلمون العدة المناسبة، والعدة المناسبة هنا هي التدريب على ركوب البحر، والاعتماد على النفس في صنع السفن التي تساعدهم على ذلك.
ومع ذلك فقد استأذن الخليفة - وكان عثمان - كعمر - شديد الحرص على أرواح المسلمين، لذلك طلب إلى معاوية ألا يجبر أحدًا من المسلمين على ركوبه، بل يترك الأمر لمن يختار ذلك من غير إجبار، فعثمان يعلم أن هذا ميدان جديد على المسلمين لم يألفوه، ولم يتعودوا عليه، فلا ينبغي أن يركبه إلا من أراد ذلك طائعًا مختارًا حتى تكون التضحية محدودة.
لقد كان معاوية بعيد النظر، واسع الإدراك، يرى أن نجاحه في تحقيق أهدافه يتوقف على ثلاثة أمور هامة:
أولها: وضوح الهدف.
ثانيهما: التخطيط السليم لبلوغ هذا الهدف.
ثالثها: السرعة في التنفيذ.
أما هدفه: فهو أن يمنع الروم من غزو بلاد الشام، وأن يقطع عليهم التفكير في مهاجمة المسلمين نهائيًا، والتعرض لهم، وأن يوضح لهم أن حرب المسلمين ليست كحرب الفرس، لأن حرب المسلمين جهاد في سبيل الله، وغاية المسلم من جهاده: إما النصر وإما القبر، فهو إن مات مات شهيدًا، والشهادة طريقه إلى الجنة، وإن عاش فلا يمكن أن يغمد سيفه حتى ينتصر مؤمنًا بقول الله تعالى: (( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ) [الحج: 40] .