وبقوله تعالى: (( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ*فَرِحِينَ بِمَاءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) ) [آل عمران: 169 - 170] ، فهدف المسلمين من جهادهم كان واضحًا لهم غاية الوضوح.
وقد خطط معاوية تخطيطًا دقيقًا لبلوغ هذا الهدف: فعمل على توحيد الجبهة الداخلية، وأزال النفرة بين عرب الشمال الوافدين مع الفتوحات الإسلامية وبين اليمنيين الذين كانوا العنصر الغالب في بلاد الشام، وصاهر قبيلة كلب التي كانت من أهم القبائل اليمانية وأقواها.
وكان معاوية قريبًا من الناس يفتح لهم أبوابه، ويجلس معهم بعد انتهاء الصلاة يسمع لشكواهم، ويفصل بينهم.
كما أحسن معاوية اختيار رجاله، وعرف معادنهم، وكشف عن مواهبهم، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب. ولم يكن ذلك غريبًا عليه فقد ورث هذه المعرفة بالرجال عن والده الذي كان زعيمًا في قومه، كما وصل إليها من تجاربه في الإسلام، واتصاله بالنبي عليه السلام، فقد كان كاتب وحيه، كما عرفها أيضًا من التحامه بالرجال في الحرب والسلام.
وكان من بين الرجال الذين وثق فيهم معاوية، واصطفاهم لتنفيذ خططه: المغيرة بن شعبة الذي عُرف بالدهاء وسعة الحيلة حتى قال فيه الناس: «لو كان للدهاء ثمانية أبواب لاستطاع المغيرة أن يخرج منها كلها» .
ومنهم: عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، الذي وجد فيه استعدادًا لقيادة الجيوش ولم يكن هذا أمرًا غريبًا، فأبوه خالد بن الوليد، ورث عنه أصول القيادة وفن الزعامة. ومنهم حبيب بن مسلمة الذي لقبه المسلمون (حبيب الروم) لأنه شغل الروم عن أنفسهم بكثرة غاراته عليهم.
ومنهم: بسر بن أرطأة: الذي قاد أسطول المسلمين الناشئ وأثبت جدارته وبسالته في هذا الميدان الجديد.