والواقع أن الكاتب لم يستطع أن يقدم لنا نموذجًا واحدًا من هذه الظروف الخاصة التي تضطر الأنبياء إلى أن يحكموا البشر حكمًا مباشرًا، وأن الأصل أنهم لا يحكمون .. كما أنه مطالب بالدليل على دعواه .. إن واقع الأنبياء يكذب ما يقوله: فنبي الله داود مارس الحكم، وقد خاطبه الله بما يفيد ذلك فقال: (( يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) ) [ص: 26] . وقد ورث سليمان النبي الملك عن أبيه داود، فكان مثله في ممارسة الحكم، وهو الذي طلب من ربه (( وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) ) [ص: 35] . ولو كانت ممارسة الحكم استثناء للأنبياء لما طلبها سليمان .. بل إن داود وسليمان كانا ينظران في المسألة الواحدة معًا، كل بوجهة نظره، حيث قال الله: (( وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّاءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) ) [الأنبياء: 78 - 79] ويوسف عليه السلام طلب الحكم ومارسه حين قال: (( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) ) [يوسف: 55] . وأيضًا لو كانت ممارسة الحكم استثناء لما طلبها يوسف. ويتحدث الله عن يوسف فيقول (( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ) ) [يوسف: 56] . والتمكين حكم .. وذو القرنين - على رأي أنه نبي - كان له ملك عريض يحكم بشريعة الله وقد قال الله عنه (( إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَءَاتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ) ) [الكهف: 84] .