الأمر الثاني - ليس لأحد - كائنًا من كان هذا الأحد - أن يسن أو يشرع من عنده، أو يستورد من التشريعات او القوانين الوضعية ما شاء له أن يستورد، وإلا عد عمله عملًا جاهليًا، واعتداء وتمردًا على شريعة الله وتحديًا لله ولرسوله، وللإسلام، وللمسلمين: (( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟ ) ) [المائدة: 50]
وليس معنى أن تكون الدولة المسلمة دولة ملتزمة، أنها دولة جامدة لا تساير تطورات الحياة، فالأحكام الشرعية بنص الكتاب والسنة، ليست إلا خطوطًا رئيسية، بمعنى أنها مثلًا كالكليات، وهي دون أدنى شك صالحة لكل زمان ومكان، وما يستجد في حياة الناس ولا نص فيه، إنما يخضع لمصادر الشريعة الأخرى، كالقياس والإجماع، وهناك مصادر ثانوية أخرى غير متفق عليها، إلا أنها تسهم في التيسير على الناس، كالاستصحاب، والمصالح المرسلة، وغيرها ..
إذن فالمقصود من أن الدولة المسلمة دولة ملتزمة، هو الحيلولة دون تدخل الأهواء والمصالح التي تناهض أحكام الشريعة، وتعوق مسار العدل والمساواة ولقد تكرر في القرآن الكريم التحذير من الحكم بالهوى، واتباع الأهواء، ففي سورة المائدة: (( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ .. الآية ) ) [المائدة: 48] وفي سورة الجاثية: (( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) ) [الجاثية: 18] .