وإما أن يكون العبد هو الذي أذل نفسه وعبدها، فيكون جمعه عبادًا، فهو إما عبد للطاغوت، وهو المشرك الوثنى الذي يعبد الموتى، ويتخذ الأنداد من دون اللَّه، وهو في الواقع عبد الشيطان.
والعبد الكريم الناصح لنفسه: هو الذي عرف لنفسه قدرها، فعرف لمن يذلها ويخضعها، فعبد لله وحده، المؤمنون في ذلك درجات. أعلاهم المرسلون. وأعلاهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ثم كان لقب (عبد اللَّه) أحب لقب إلى قلبه.
وكان بعبوديته الشاكرة الصابرة - يزيد ربه معرفة به، ونور بصيرة، وهدى وحكمة ورشدًا، ورحمة وشفقة بالناس، فيزداد عبودية، وحبًا لربه، ورضى به ربًا، ورضى بسنته وتدبره له في كل شأن، وشكرًا لعطائه وفضله، وفهما لسننه، واستقامة على ما تقتضيه حتى كان هو العبد المعبد قلببه حقيقة لربه، فكان الذي يقدر وحده من دون أهل الأرض جميعًا على حمل الأماانة العظمى عن ربه سبحانه، ليخرج بها الناس من الظلمات إلى النور، إلى هدى الرسالة الرشيدة، وعلمها المنزل من الحكيم الخبير، شفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة تطمئن بها القلوب إلى ربها، وفي إخلاص العبادة له، والاستقامة على سننه الكونية وشرائعه التي تهدى المتبع لها إلى أقوم سبيل وأهداها في بلوغه كل غاية حميدة، يوفر اللَّه له بها أسباب السعادة، والعيش الرغد الهنئ، والحياة الطيبة في الأولى والأخرى.