وكانت قريش قد بالغت في أذى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، بعد موت عمه أبى طالب، وخديجة الصديقة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها وأرضاها، حتى خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد ضاقت عليه مكة - إلى الطائف يعرض على سادة ثقيف وأشرافهم، أن يؤوه وينصروه، حتى يبلغ رسالة ربه، ويعدهم على ذلك فلاح الدنيا والآخرة. فردوه أشنع رد وأقبحه، وأغروا به سفهاءهم يرجمونه بالحجارة، وما زالوا يطاردونه حتى كلوا زأعيوا، فعادوا أدراجهم، فجلس وكان به r من الهم والحزن ما يصوره دعاؤه الذي ناجى به ربه، إذ يقول (( اللهم إنى أشكوا ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس. يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربى، إلى من تكلنى؟ إلى قريب يتجهمنى - وفي رواية: إلى يعيد، أم عدو ملكته أمرى؟ إن لم يكن بك سخط فلا أبالى؛ ولكن عافيتك هى أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة: من أن ينزل بى غضبك، أو يحل سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ) ).
وكان جلوسه أمام بستان عتبة وشيبة ابنى ربيعة، ألد أعدائه وأعنف المشركين في أذاه بمكة. فلما رأياه كذلك رقق اللَّه قلباهما، وأرسلا إليه صلى الله عليه وسلم غلامهما النصرانى النصرانى عداس، يقطف من عنب، فحين مد رسول اللَّه يده يتناوله سمى اللَّه، فقال له عداس: واللَّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ومن أهل أى البلاد أنت يا عداس؟ فقال: من نينوى، فقال له من قرية الرجل فقال له: الصالح يونس بن متى؟ فقال له عداس، في لهفة ودهشة: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال له: ذاك أخى. كان نبى وأنا نبى. فأكب عداس يقبل رأس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ويديه وقدميه؟ احذره أن يفتنك عن دينك. فدينك خير من دينه. فقال: يا سيدى ما في الأرض خير من هذا. لقد أخبرنى بأمر ما يعلمه إلا نبى.