ثم بعث اللَّه إليه - إستجابة لشكاته ودعائه - جبريل، ومعه ملك الجبال. فقال له ملك الجبال: مرنى فيهم بما شئت، مرنى أن أطبق عليهم الأخشبين - الجبلين اللذين بينهما وادى مكة والطائف - فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (( دعهم، لعل اللَّه أن يخرج من أصلابهم من يعبده ) ).
ثم عاد إلى مكة، وفي طريقه صرف إليه نفرًا من الجن يستمعون القرآن - وقد قص اللَّه نبأهم في سورتى الأحقاف، والجن - ولو أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يقتلوا أهل مكة لقتلوهم الساعة. ولكنه صلى الله عليه وسلم صرفهم لينذروا قومهم.
فلما دنا من مكة ذهب مولاه زيد بن حارثة رضى اللَّه عنه إلى المطعم بن عدى، فسأله أن يصحبهما في دخول مكة، ليدفع عنهما أذى أهل مكة، الذين حرشهم وزادهم شرًا ما بلغهم من فعل سفهاء أهل الطائف بهم، ولم يلبث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن رد إليه جواره مشكورًا، وأبى إلا جوار ربه القوى العزيز، البر الرحيم.
وفي أمسية هذا اليوم - ألذي رد فيه جوار مطعم بن عدى - جاءه جبريل يبلغه دعوة حبيبه الأجل الأعلى سبحانه، ليناجيه مناجاة الحبيب حبيبه ما الصفى، الذي انخلع من كل نفسه البشرية وكل انفعالاتهم ولا آلامه ولا أحزانه. ولكن يذكر ربه الذي حمله أمانة الرسالة يبلغها لعباده، وأعطاه الشفاء والرحمة ليدفعهما إليهم، ويعمل جهده حتى ينتفعوا بهما، لينالوا عافية وسعادة الأولى والآخرة. فيقول لملك الجبال، وقد تبرأ من أن يغضب لنفسه، بل أن يخسربها، ويرىلها حقًا، أو شيئًا مع ربه (( دعهم، لعل اللَّه أن يخرج من أصلابهم من يعبده ) ).