نحن لا ننكر أن هناك بعض الشواذ، والعدل يقتضينا أن نصدر الحكم، بناء على القاعدة وليس بناء على الشاذ، وهؤلاء الشواذ، لا تعالج مشكلتهم بهراوة الدكتور مصطفى محمود، ولا بخلفية حاقدة للدكتور زكي نجيب محمود، وإنما بالحوار الحر المفتوح، بشرط أن يمسك بطرف الحوار مفكرون، تتوافر فيهم أمانة الفكر، ونزاهة الضمير، غير موجهين من الغير، وغير متأثرين بأسلوب أجهزة الأمن.
والسؤال الذي يطرح نفسه علينا:
أليس لدينا أكثر من ظاهرة مثيرة للفزع، ومهددة لأمن المواطنين ومتحدية لأجهزة الأمن؟ ظاهرة اختطاف الفتيات والسيدات والاعتداء عليهن، وظاهرة النهب العلني والسري لأموال الشعب، وظاهرة الاعتداء المسلح على القطارات والسيارات العامة في وضح النهار، أقربها إلى الأذهان، حادثة الاعتداء أو السطو على أوتوبيس رقم 300 في 16 فبراير الماضي في منطقة غمرة وفي الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم، وأخيرًا وليس آخرًا، ظاهرة التسيب في المال العام، وأبرزه الإنفاق - في بذخ وسفه - على ما يعدونه من الكماليات وفي مقدمتها الملاهي، وأقربه إلى الأذهان خسارة الهيئة العامة للسينما، والتي بلغت زهاء ثمانية ملايين من الجنيهات في عام واحد، وأُثيرت المسألة أكثر من مرة تحت قبة مجلس الشعب ثم أُصيبت فجأة بالسكتة القلبية .. مثل هذه الظواهر وما أكثرها في مجتمعنا لم يتأثر بها هؤلاء الفلاسفة، ولم تثرها أقلامهم في الصحف والندوات الإذاعية أو التليفزيونية، لأن كل همهم - فقط - ظاهرة التطرف الديني، وحتى في مناقشتهم لهذه الظاهرة التي تنفخ فيها أجهزة الأمن، كانوا ممثلي اتهام وليسوا قضاة عدولًا.
إن الإسلام الصحيح الذي رضيه الله لعباده دينًا، يرفض التطرف في كل شيء، ولكن الإسلام - إزاء أية ظاهرة - يناقش العلل والدوافع التي أدت إلى الظاهرة، هكذا وبكل أسف - تناقش الظواهر المنحرفة في أوربا وأمريكا .. وأما نحن فلدينا كتابًا من حملة الهراوات أو حملة السياط.