فهرس الكتاب

الصفحة 4088 من 18318

استروحنا - في غمرة نفحات قرآنية سابقة - من شميم هذه الآيات، ووعدنا يومئذٍ بعود قريب إليها، لا لنستفرغ شحنتها، فذلك أمر علينا عسير، ولكن لنخطف الخطفة، ونريح الروح، ونقنع منها بالقبس، يكشف جنبات الطريق المظلم لأمة تتخبط بين لابتيه، وتضرب في التيه.

والقرآن - كما نعلم - منحة السماء للأرض، يقيم الله به الكيان، ويجلو الوجدان، ويضع الآصار، ويحطم الأغلال، ويسوس الناس، ويرشد علاقات الخلق بالخالق، والناس بالناس. وعملية الترشيد هذه تقتضي سياحة بين الأمم مع القرآن، ورصدًا لخطا السابلة، قربًا أو بعدًا عن الصراط. وتقتضي وقوفًا متأنيًا أمام صور المواجهة بين الحق، والباطل، وأمام مظاهر العدوان على الأديان.

وفي هدي هذا الترشيد، يستطيع المسلم أن يقوم من حوله، وما حوله، ثم ينهج - مع نفسه ومع الآخرين - نهج الله الذي ارتضاه، بلا إفراط، ولا تفريط، ولا تحريف، ولا تبديل، يمتح (1) من معين الله بقوة، ويفري (2) فريه في عبقرية، بلا وهن، ولا هوان، ودون أن يخشى في الله لومة لائم، أو تمنعه رهبة الناس أن يقول بحق إذا علم، مصداق ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والمسلم من هذا المقام المرموق الزاخر بالهدايات، يرى أعداءه قماء (3) ، ويبصرهم - وقد انحسر عنهم غطاء الحق - عرايا مجردين فيكيف نفسه طبقًا لما تيسر من رؤية عميقة واضحة، ويتعامل بفطنة ومرونة واعية مع كل الجبهات التي تتنكر الحق، وتكيد وتمكر.

من سورة المائدة

وآياتنا المدنية هذه تشهد بقوة المسلمين، واكتمال مقومات الاستقلال، والاكتفاء الذاتي فيهم، وتشهد بقدرتهم على نبذ التبعية والدوران في فلك أهل الكتاب.

وهي آيات من سورة المائدة التي تتضافر آياتها كي تسحج قوى المسلم، وتقيمه مقام رفق، وعلم، ووعي، وثبات، حتى يتعامل مع الكون والكائنات بقوة عاقلة، وعلى هدي وبصيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت