فهرس الكتاب

الصفحة 4089 من 18318

والمائدة - فيما يروى - من آخر سور القرآن عهدًا بالسماء وفاقًا لما ذكر الإمام أحمد والنسائي، ورواه الحاكم عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت عليَّ عائشة رضي الله عنها، فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، فقالت: أما أنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه.

ومعنى هذا أن السورة نزلت بعد شكم الأعداء، واندحار قوى الكفر، وتقهقرهم.

والتقهقر لا يعني الموت. بل قد يكون تحفزًا لوثوب وشيك، فلا بد أن يكون في الحسبان احتمال استجماعهم لقواهم، ومواجهتهم المسلمين من جديد بكل ما جبلوا عليه من شراسة وغيظ.

فلا عجب - إذن - إذا حرص القرآن على رسم صورة واضحة المعالم لأهل الكتاب، ولسائر الأعداء حتى تظل ذخيرة للأجيال، منذرة، مذكرة على مر الدهور، وحتى يظل المسلمون آخذين وضع الاستعداد، في رباط إلى يوم القيامة.

هذا على القول بأن المائدة نزلت برمتها دفعة واحدة، وفقًا لما أخرجه الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: إني لآخذة بزمام العضباء - ناقة رسول الله - إذ نزلت عليه المائدة كلها فكادت من ثقلها تدق عضد الناقة.

وظني، أن هذا لا يمنع من استثناء آيات نزلت من قبل ذلك تغطية لمواقف معينة، أو رصدًا لغليان العداوة، وذبذبات النفاق.

وآياتنا التي نشتم منها رائحة الشمخة، والتسلط، والتأثير الذي كان لأهل الكتاب على العرب لا يبعد أن تكون نزلت منفردة، ثم نظمت في عقد السورة مع باقي الآيات التي نزل بها الروح الأمين، لتتلى مرة ثانية في نظام السورة كلها.

-من أسرار النزول -

والآيات - على أي حال - تثير مواقف ارتبطت بها، وغدت من أسباب نزولها.

ولكن آيات القرآن لا تتقوقع حول خصوص السبب، بل يعم نورها القضايا المناظرة، والمواقف المشابهة المتجددة إلى يوم القيامة. وهي في ذلك كالمصباح توقده لحاجة في نفسك معينة ولكن نوره يكشف لك ما تريد، وما لم ترد.

ومن المواقف التي تواكب الآيات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت