وكأنه لم يندد بالبدعة وينكرها إلا هؤلاء الأئمة الثلاثة، وكأنه لا يعلم أنه شدد النكير عليها الصحابة والتابعون وأئمة الفقه وأئمة الحديث، وكأني بهذا الكاتب لا يعلم شيئًا عن كتاب «الاعتصام» للشاطبي وكله في البدعة والابتداع، ولا ما كتب الشيخ علي محفوظ عن مضار الابتداع، ولا ما كتب شيخ الإسلام محمود شلتوت في هذا الموضوع، ولكنه يعتمد في الطعن على أئمة السلفية أقوال ومؤلفات أعدائهم من الصوفية الخلفية الذين يحرفون كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأويلات السمجة الباردة الباطلة.
أورد الكاتب أمثلة فيما ادعى أنه تحجر عقلي في تفسير البدعة للتدليل بها على جواز الابتداع في الدين فذكر جمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه الناس على قارئ واحد في صلاة التراويح وتوسيعه لمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن أمير المؤمنين عثمان رضى الله عنه أحدث أذانًا ثانيًا، وليس شيء من ذلك بدعة لأننا مأمورون بالاقتداء بهم لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فكل بدعة ضلالة» ونريد أن نصحح للكاتب أن الأذان الثاني الذي أمر به عثمان رضى الله عنه لم يكن بين يدي الخطيب يوم الجمعة - كما قال - بل كان بمكان بالمدينة فيه السوق ويسمى (الزوراء) حتى ينبه الناس في السوق بدخول وقت الصلاة، أما الأذان للخطبة ثم الصلاة فكان ينادي به من فوق المسجد بعد أن يصعد الإمام المنبر كما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان رضوان الله عليهم، فلما كثر الناس بالمدينة وتشاغلوا في الأسواق أمر من ينبههم بدخول الوقت.