فهي قد بينت أن هؤلاء قد كتبوا على أنفسهم الطرد من رحمة الله، وإعراض الله عنهم، بإخلالهم بميثاقهم معه، ونسيانهم ما قد تعاهد معهم عليه من الإيمان برسل الله جميعهم والعمل بشريعته. فنقضوا هذا الميثاق، ونسوا الحظ الكبير مما ذكروا به، وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فهم بهذا قد وضعوا أنفسهم موضع الخذلان، وعرضوا أنفسهم أيضًا لتخلي الله عنهم، بل وعقابهم على ذلك في الدنيا والآخرة. وقد عاقبهم الله في الدنيا، بهذه العوامل التي تتعارض مع نصرتهم على المسلمين، أو أن يكون لهم غلبة أو عزة عليهم، والتي من شأنها دائمًا أن تعوقهم عن الوصول إلى المجد بما هو مجد.
هذه العوامل هي ما أعلنه الله سبحانه وتعالى في هذه الآية (( فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ) ) [المائدة: 14] . وفي هذا يقول الشيخ (ابن الخطيب) في أوضح التفاسير: «فترى النصارى، وقد انقسموا إلى فرق متعددة: كاثوليك، وأرثوذكس، وبروتستانت، كل منهم له شريعة خاصة، ونظام خاص، وتراهم دائمي الخلاف في كل صغيرة وكبيرة» ثم يشير إلى الحرب العالمية الأولى والثانية كمظهرين لهذا الإغراء فيقول «وترى الأمم الغربية - وهم أبناء دين واحد - وقد تفنن بعضهم في إهلاك بعض هلاكًا تشيب من هوله الولدان، فمن مخترع للقنبلة الذرية على مخترع للهيدروجينية، إلى مصمم لقنبلة الكوبالت، إلى ما لا نهاية له من صنوف الإيذاء والبلاء الذي لا يوصف، وبذلك حق عليهم الإغراء، فهم أبد الدهر في شحناء وبغضاء» .