فهرس الكتاب

الصفحة 4262 من 18318

وقد أدى القرآن الكريم بهذه الآية كل هذه المعاني في إيجاز ووفاء بما لا يستطيعه بشر بأضعاف أضعاف هذه الكلمات.

قال الناصح لليهود: آمنوا بالقرآن كما آمنتم بالتوراة، ألستم قد آمنتم بالتوراة التي جاء بها موسى لأن الله - سبحانه - هو الذي أنزلها، فالقرآن الذي جاء به محمد أنزله الله - أيضًا - فآمنوا به، كما آمنتم بها.

فانظر كيف جمع القرآن هذا المعنى الكثير في هذا اللفظ الوجيز: (( ءَامِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ) ). وبهذا التعبير دعاهم إلى الإيمان، وألزمهم حجته، فالكناية عن القرآن بـ (ما أنزل الله) وعدم التصريح باسم القرآن تحمل الدليل والدعوى في لفظ واحد، كأنه قال: (( آمنوا بالقرآن، لأن الله هو الذي أنزله كما أنزل التوراة ) ).

ثم انظر كيف طوى ذكر المنزل عليه، فلم يقل: (آمنوا بما أنزل الله على محمد) مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة، أتدري لم ذلك؟ لأنه لو ذكر لكان في نظر الحكمة البيانية زائدًا، وفي نظر الحكمة الإرشادية مفسدًا.

أما الأول (زيادته) فلأن هذه الخصوصية لا مدخل لها في الإلزام، والإيمان بالقرآن واجب أنزله الله على محمد أو على غيره.

وأما الثاني (إفساده) فلأن إلقاء هذا الاسم (محمد) على مسامع الأعداء من شأنه أن يخرج أضغانهم، ويثير أحقادهم، فيؤدي إلى عكس ما قصده الداعي من التأليف والإصلاح.

ذلك إلى ما في هذا الحذف من الإشارة إلى طابع الإسلام، وهو أنه ليس دين تفريق وخصومة، بل هو جامع ما فرقه الناس من الأديان، داع إلى الإيمان بالكتب كلها على سواء، وبالرسل جميعًا على سواء.

كان جواب اليهود أن قالوا: إن الذي دعانا للإيمان بالتوراة أن الله أنزلها علينا، أما القرآن فلم ينزله علينا، فلكم قرآنكم ولنا توراتنا، ولكل أمة شرعة ومنهاج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت