والخطاب في هذه الآية لليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم - وقد أسند القتل وهو من آبائهم - إليهم، لرضاهم به، فإن من رضى بالمعصية كان كمن فعلها وإن كان غائبًا عنها، وكما يقال - مجازًا - لقبيلة: أنتم قتلتم فلانًا، والقاتل - حقيقة - آباؤهم، على معنى: أن الأمر فيكم من قديم على القتل.
والتعبير بالمضارع: (( فَلِمَ تَقْتُلُونَ ) )؟ مكان الماضي (( فلم قتلتم ) )؟ استحضار لصورة القتل، كأنها تحدث الآن، إظهارًا لفظاعته، وشناعته، كما مضى في قوله تعالى: (( فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ) ) [البقرة: 87] .
وقوله تعالى: (( إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) )تشكيك في إيمانهم بالتوراة بعد أن أقامت الآية الكريمة الأدلة المتعددة، والبراهين القاطعة على كذب اليهود في دعواهم الإيمان بما أُنزل عليهم، ووبختهم على مزاعمهم الباطلة، وأقوالهم الفاسدة.
هذا، ولفضيلة أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز - رحمه الله -في هذه الآية الكريمة، كلام رصين يوجه به أنظارنا - بنوع خاص - على دقة التعبير القرآني، ومتانة نظمه، وعجيب تصرفه حتى يؤدي لك المعنى الوافر الثري، في اللفظ القاصد النقي، يقول ما خلاصته:
«يقول الله تعالى في ذكر حجاج اليهود:
(( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْءَامِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ) [البقرة: 91] .
«هذه قطعة من فصل من قصة بني إسرائيل، والعناصر الأصلية التي تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة تتلخص فيما يلي:
1 -... مقالة ينصح بها الناصح لليهود، إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن.
2 -... إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوي على مقصدين: (الإيمان بالتوراة، والاقتصار عليها) .
3 -... الرد على هذا الجواب بمقصديه، من عدة وجوه.