فهرس الكتاب

الصفحة 4277 من 18318

ولا ينبغي أن نخدع حين نرى أن اتباع القوانين الطبيعية وحدها يؤدي إلى النجاح مع مخالفة القيم الإيمانية، لأن هذا الاختلاف قد لا تظهر نتائجه في أول الطريق وإنما تظهر في نهايته، مثلما وقع للمجتمع الإسلامي نفسه الذي بدأ خط صعوده من نقطة التقاء القوانين الطبيعية مع القيم الإيمانية في حياته، وبدأ خط هبوطه من نقطعة افتراقهما، وظل يهبط كلما انفرجت زاوية الافتراق، حتى وصل إلى ما وصل إليه الآن من تخلف عندما أهمل السنن الطبيعية والقيم الإيمانية جميعًا. ولا ينبغي أيضًا أن نخدع حين نرى الحضارة المادية تبهر العيون بانتصاراتها في عالم المادة، لأنها تقف كالطائر الذي يرف بجناح واحد قوي بينما جناحه الآخر مهيض، فترتقي في الإبداع المادي بقدر ارتكاسها في المعنى الإنساني، وتعاني من القلق والحيرة والأمراض النفسية والعصبية لأنهم لا يهتدون إلى منهج الله، وهو وحده العلاج والدواء. إن شريعة الله للناس هي طرف من قانونه الكلي للكون، وتطبيق هذه الشريعة لا بد أن يكون له أثره الإيماني في التنسيق بين نظام الناس في حياتهم ونظام الكون من حولهم. والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان. ولا يمكن أن تقوم وحدها بغير أصلها الكبير. فهي موضوعة لتنفذ في مجتمع مسلم ولتسهم في بنائه، وهي متكاملة مع التصور الإسلامي للوجود كله بما فيه الوجود الإنساني، ومع ما ينشئه هذا التصور من تقوى في الضمير، ونظافة في الشعور، وضخامة في الاهتمامات، واستقامة في السلوك .. وهكذا يبدو التكامل والتناسق بين سنن الله كلها سواء ما نسميه قوانين الطبيعة وما نسميه القيم الإيمانية.

(الإسلام عقيدة ونظام)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت