من خلال ما تقدم نستطيع أن نرى بوضوح أن الإسلام ينظر إلى الإنسان نظرة واقعية، فالإنسان كما أوضحنا تتزاوج فيه المادة والروح، وهو أمر لا كسب له فيه وإنما هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومن ثم فالإسلام يغذي في الإنسان والروح معًا بحيث تتعادل في نفسه الكفتان .. ولعلنا إذا نظرنا إلى مجتمعات الرفاهية المادية من حولنا فسنجد أن قمة هذه المجتمعات هي سويسرا والسويد .. ولست في حاجة لأن أعدد ألوان النعيم المادي الذي يتمرغ فيه أفراد هذه المجتمعات من مأكل وملبس وجنس وراحة مادية هيأها لهم التقدم العلمي والتكنولوجيا مما جعل متوسط دخل الفرد في هذين المجتمعين يشكل أعلى متوسط دخل في العالم .. ومع ذلك فإن الإحصاءات تشهد بأن أعلى نسبة انتحار في العالم هي في سويسرا والسويد .. وليس هذا بالأمر العجيب لمن ينظر لهذا الأمر بالمعيار الذي أوضحناه ... فإن هذه المجتمعات قد كفلت للأفراد غذاء للجانب المادي وصل إلى درجة التخمة، بينما تركت الجانب الروحي في أفرادها خاليًا خاويًا .. فلم تتعادل الكفتان وثقلت أحدهما على حساب الأخرى، فاختل التوازن .. وحدث الانتحار نتيجة لهذا الاختلال ..
والإسلام بهذا المعيار يحقق السعادة المادية والأمن النفسي لمن يدينون به .. وهو فضلًا عن ذلك دعوة مستمرة للأخذ بأسباب العلم وإقامة الحضارة والمدنية ويكفي أن أول آيات نزلت من القرآن الكريم كانت دعوة واضحة إلى العلم (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ*اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ*الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ*عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ) [العلق: 1 - 5] .
مصطفى برهام