فهرس الكتاب

الصفحة 4318 من 18318

3 -... وانطلاقًا من هذه التربية الواعية وقف عمر رضى الله عنه موقفًا متصلبًا مع أبي موسى رضى الله عنه يوم استعمل كاتبًا نصرانيًا. وقال قولته المشهورة: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله. وأداة الظرف «إذ» تفيد أنهم قد يكرمون أو يؤتمنون أو يستدنون، ولكن بالقدر الذي لا يتعدون به أحجامهم.

وعمر رضى الله عنه في موقفه ذلك، إنما كان ينظر بعين الإسلام إلى بعيد. إلى حيث يرى مزالق الشر، ومكان التربص، ومحاولات المتسللين - تسلل الأرضة - إلى كيان المسلمين يوهون العرا، وينخرون نخر السوس حتى يغدو المسلمون صورًا جوفاء، وتعود مجتمعاتهم قيعانًا لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ.

وهل نفذ الشر إلى الصفوف، وأطبق الأعداء على الأعناق إلا منذ تسللوا من ثغرات التحالف، والحماية، والولاية، والتقديم، والتعليم، والتطوير، والتحرير، والتنمية، والتعمير، والتثمير ... إلخ.

إن القضية جلية، وأهداف الكافرين بينة، وخطاهم في القرآن مرصودة، فمن جنح به الهوى أو جمح به الضلال إلى مرافئهم المتهاوية رغم صيحات التحذير، كان بحق أعمى تحجب عنه ظلمات الشك أضواء القرآن، أصم خرق عواء الشيطان أذنيه ونفذ إلى قلبه فهو يعيش منه في متربة نفسية متهددة بالدوائر، وتلوح له بالمحن والصروف، وتخيفه من كل شيء ومن لا شيء، وهو في غمرة أدوائه يخشى أن يصميه سهم هادف أو طائش من تلك السهام التي تبري وتراش في ذهنه السقيم، وتنطلق من قاعدة خياله إلى صفوف المسلمين. ذلك قول الله (( فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ) ) [المائدة: 52] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت