ولم يكتف الإسلام بذلك وإنما تعداه إلى التحريض عليه وجعله من أعظم الجهاد فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) ويقول (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله) .
هكذا كانت تمضي الأمور بين المسلمين وبين أمرائهم إذا لم يكن أمامهم نص صريح يلزمهم بتنفيذه، وكانت هذه الأمور تتعلق بمصلحة المسلمين في أي مجال من المجالات التي لها صلة بدينهم ودنياهم. نعم لقد كانوا في مثل هذه الأحوال يستفتون الرعية وينزلون على رأي الأغلبية، ولا يتبرمون باعتراض معترض. ما دامت النيات صادقة تنفيذًا لمبدأ الشورى الذي أمرهم به دينهم، وخضوعًا لروح الإسلام لأنهم تلقوا الدرس الأول من القرآن الكريم حين أمر الله تعالى رسوله - وهو الذي لا ينطق عن الهوى - بأن يستشير المسلمين في أمورهم بقوله (( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) ) [آل عمران: 159] وتلقوا الدرس الثاني من سيرة الرسول العطرة حين استشار أصحابه في أمر أسرى غزوة بدر فرأى معظمهم أن يطلق سراحهم مقابل فداء يدفعونه، وكان رأي كل من عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ قتل الأسرى فنزل الرسول الكريم على رأي الأغلبية حتى جاء القرآن العظيم مؤيدًا لرأي عمر وسعد بن معاذ حيث قال الله تعالى (( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ) [الأنفال: 67] كما تلقوا الدرس من حضه صلى الله عليه وسلم كل مسلم على تقديم النصح للحاكم ما وجد إلى ذلك سبيلا، حيث قال (( إن الله يرضى لكم ثلاثة أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم) وحيث قال (( الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة. قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) .