وكان ممن سار في الناس بهذا الحديث البغيض مسطح بن أثاثة وهو من أقرباء أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان فقيرًا رقيق الحال، يعيش على معونة مادية منتظمة يؤديها إليه أبو بكر ... وكان وقع حديث الإفك على نفس أبي بكر ثقيلًا لأنه يمس عرض ابنته الحبيبة، ولما نزلت براءتها من السماء وردالله كيد المنافقين في نحورهم، أقسم أبو بكر أن يمنع معونته المادية عن مسطح جزاء وفاقًا لما قدم من إساءة بالغة بأن تولى هو بالذات إذاعة وإشاعة حديث الإفك في كل مكان، ولعدم تقديره لإحسان أبي بكر إليه .. ولكن الله ينهى عن مثل ذلك القسم إذا كان سيترتب عليه منع إحسان ومعونة، مذكرًا بأن الإنسان يخطئ، وهو في حالة خطئه يحب أن يعفو الله عنه ويغفر له، وهنا يقف الإنسان خاشعًا أمام عظمة الرحمة التي تتجلى وتتسع للعفو والصفح حتى في أدق المسائل التي قد يجد الإنسان نفسه تتأبى عن العفو فيها (( وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) [النور: 22] .
وهكذا تتجلى سماحة الإسلام دين العفو، الذي يربي أتباعه على السمو والارتفاع، والانتصار على شهوة الانتقام ورد العدوان بالعدوان، وإنما ترتفع وتعلو بالصفح والعفو ليتميز المسلم دائمًا بالخلق الرفيع الذي يستظل المجتمع الإسلامي من خلاله بظلال المحبة والمودة والوحدة ...
مصطفى برهام