فهرس الكتاب

الصفحة 4377 من 18318

هكذا يقلب الله المعني علي حواسك في قوالب شتي. والهدف من هذه المراوحة بين التعبيرات أن تأنس إلي المعني وتشك في تجمعاتهم كبرت أو صغرت.

هذا ولا ضير من الانتفاع بجهودهم، والاسترشاد بخبراتهم في العلوم البحتة أو في الدنيويات، ولكن في غير غفلة ولا تمكين. روي الإمام أحمد عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر رضي الله عنه إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن يهوديا من بني قريظة كتب لي جوامع من التوراة. ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن ثابت: قلت لعمر ألا تري ما بوجه رسول الله؟ فقال عمر: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا. قال: فسري عن رسول الله وقال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من الأنبياء، وفي رواية أنه والله لو كان موسى وعيسى حيين بين أظهركم لما وسعهما إلا اتباعي.

فكأن أولئك بمفاهيمهم النابية عن الحق، وأحقادهم المتأججة في الصدور، وحميتهم المجنونة سيظلون بالنسبة للمسلمين وعلي مدي الأجيال عناصر شر، وقوى تعويق وفتن وإغواء وصد عن الصراط وحداء إلي مستنقع الشر، ومرابض الشيطان. ولكن الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلي النور. والمولي سبحانه يعصم من القواصم، ويربي حتى يملأ بالمسلمين الميدان، ويهدي حتى تأمن قوافل الإسلام العثار، إنه جل وعلا يحكم الروابط، ويثبت الأقدام، ويدعم الجماعة، ويبارك في الوفاق والالتفات.

ودعم الله لا يمنح إلا لجماعة استكملت قواها الذاتية الفعالة وأقامت وجودها فوق أرضية من إيمان وتقوي يضويان باستمرار علي الطريق.

والله بنداء الإيمان (يأيها الذين آمنوا) وبكل دلالات صيغ الأمر والنهي يرسي في نفوس المؤمنين دعائم تلك الأرضية (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) آل عمران 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت