فالموتى لا يسمعون، ولا يبصرون، وكذلك لا يعقلون، لأن القلب الذي هو مركز الكيان الإنساني في قبر عزلته يرزح تحت أثقال ماديته وغفلته، والجدير بالذكر أن عزلة القلب بادئ ذي بدء كانت بكسب الإنسان وسعيه، فتكون علي القلب ما يسمي"الرين"كما قال سبحانه (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) المطففين 14 - 15.، ثم أصبح هذا الرين غلافا، كما حكى القرآن قائلًا: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) البقرة 88.، (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ) فصلت 5. وإذا صار القلب معزولا مغلفا طبع الله عليه، فإذا طبع الله عليه، فلا سمع ولا بصر ولا فقه، وهذا مصداق الحديث الصحيح: (ألا وإن بالجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) فإذا عزل القلب وغلف في أكفانه من هوي وكهانة وشركية، عزلت أيضا البصيرة والفقه وملكات الجسد الإنسانية المتسقة مع الروح، كما يقول المولي عز وجل: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) النحل 106 - 108.