فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 18318

والإسلام - وهو الصراط المستقيم - قد أوجب على المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب التي جعلها الله سننًا، ليصل بها إلى ما يرتب الله عليها من نتائج ومسببات، وحرم عليهم الامتناع عن الأخذ بالأسباب مع تيسرها لهم، وعد ذلك تمردًا على الله، وتعطيلًا لنظام الله في ملكه، كما أوجب على العبد بعد الأخذ في الأسباب أن يثق في وعد الله لعباده المحسنين، فإنه سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأوجب أيضًا أن يتوكل على الله - فيما يعترضه من عقبات - لييسر له التغلب عليها برحمته.

وهنا تتفتح له مغاليق الغيب. ويبدو له من لطف الله وكرمه ما لم يكن يحتسب وهذا هو الطريق السوي السليم في الجمع بين سنن الله والأمل في رحمته.

يتضح ذلك في نصر الله لرسوله في الهجرة فقد ظهر فيها عنصر التخطيط والتنظيم العلمي الدقيق للتعاون والتموين والأخبار وعمليات التغطية والاتصال المستمر بمكة وفتح الطريق إلى المدينة واتخاذ طريق نحو الجنوب الشرقي أول الأمر. بينما القوم يبحثون شمالًا وغربًا. والانتظار في الغار حتى يظن القوم أنه قد أفلح في اختراق الحصار الذي ضربوه فإذا ما اطمأن إلى فشلهم في كل ذلك، بدأ طريقه إلى الغرب عن طريق الساحل. غير سالك ما اعتادوه من دروب. ثم يصل إلى منطقة الجبال بعد هذا في طريق وعر. فالتنظيم العلمي هنا دقيق لم يترك أي شيء لمصادفة.

كما ظهر فيها أيضًا عنصر الإعجاز الإلهي والعناية الربانية في نجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه: في التفلت من الأعداء حين الخروج رغم جميع الاستحكامات. ثم نجاتهما في الغار رغم وصول الكفار إليه وانقطاع الأثر عنده. ثم تخلصهما من سراقة بن مالك، الطالب والمدرك لهما، الحريص على نيل الجُعْل المعد لمن يأتي بهما حيين أو ميتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت