فهرس الكتاب

الصفحة 4470 من 18318

وأصل هذا أن القلب يصدأ من المعصية فإذا زادت غلب الصدأ حتى يصير رانًا. ثم يغلب حتى يصير طبعًا وقفلًا وختمًا، فيصير القلب في غشاوة وغلاف، فإذا حصل له ذلك بعد الهدى والبصيرة انتكس فصار أعلاه أسفله، فحينئذ يتولاه عدوه ويسوقه حيث أراد، وقد ذكر الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: (القلوب أربعة: فقلب أجرد فيه سراج يزهر فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس فذلك قلب المنافق، وقلب تمده مادتان: مادة إيمان، ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما) .

ومن عقوبات الذنوب أنها تجعل القلب أصم لا يسمع الحق، أبكم لا ينطق به، أعمى لا يراه، فتصير النسبة بين القلب وبين الحق الذي لا ينفعه غيره، كالنسبة بين أذن الأصم والأصوات، وعين الأعمى والألوان، ولسان الأخرس والكلام.

وبهذا يعلم أن الصمم والبكم والعمى للقلب بالذات والحقيقة، وللجوارح بالعرض والتبعية قال تعالى: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج 46. وليس المراد نفي العمى الحسي عن البصر، كيف وقد قال الله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ) النور 61. وقال: (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) عبس 1 - 2 .. وإنما المراد أن العمى التام على الحقيقة: هو عمى القلب. فمن عقوبات المعاصي جعل القلب أعمى أصم أبكم.

ومن عقوبات المعاصي مكر الله بالماكر، ومخادعته للمخادع .. واستهزاؤه بالمستهزئ وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق .. !!

ومنها نكس القلب أيضًا حتى يرى الباطل حقًا، والحق باطلًا، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا ويفسد ويرى أنه يصلح، ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على كل الهدى، ويتبع هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه، وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية على القلوب. أعاذني الله وإياك منها .. !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت