فهرس الكتاب

الصفحة 4543 من 18318

ونعمة التأليف بهتت يهود، ووقعت وقع الصاعقة على نفوس لا تبني إلا فوق الأشلاء، ولا تعيش إلا على الدماء. فلا غرو إذا احتالوا ومكروا رجاء أن يوقدوا من جديد نار العداوة بين المسلمين فتنقطع الأواصر ويدب الخلاف ويحل الدمار: مو رجل من يهود بمحافل الأوس والخزرج فساءه تلاقيهم، وتآلفهم فدس رجلًا يذكرهم ما كان بينهم من حروب يوم بعاث. ففعل ولم يزل ذلك دأبه حتى ورمت الأنوف واستلت السيوف، وتواعدوا إلى الحرة. وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم وجعل يسكنهم ويقول: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ وتلا عليهم قوله سبحانه (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) فندموا، وثابوا إلى رشدهم وتعانقوا، وطاش سهم اليهود.

ونعمة التأليف تلك يمتن بها رسول الله على الأنصار يوم قسم غنائم حنين: أخرج البخاري عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله يوم حنين قسم في الناس المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي. كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن. قال: لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس واديًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها الأنصار شعار ودثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض.

بمثل ذلك التصوير القرآني البليغ، وبمثل هذه المواقف النبوية الحكيمة يربي المسلمون على الوفاق ويحدون إلى معارج الهدى والعزة والخير. (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت