والقرآن حين يأسو نوازع الفردية، ويعالج دواعي التنازع المختزنة في عنصر الطين، يستعين بصورتين: صورة تنتزع من ماضيهم القريب، من أمسهم الجاهلي يوم كانوا فرقًا، لكل فريق هواه، وحمية الجاهلية، فتداركهم الله بالإسلام حتى تحابوا والتقوا على كلمة سواء نظمتهم في عقد واحد، وأنقذتهم من مخاطر مودية، فقد كانوا على شفا حفرة من النار، يتأرجحون حول شفيرها متعلقين بحبال الشرك. والله يعرض الصورة ويخرج الخطر الداهم في تمثيل تجب له القلوب (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) والبعد عن رحاب الله وتخبطهم بين آلهة شتى أورثا شقاقًا وتدابرًا وتنافرًا وتناحرًا كالأوس والخزرج مثلًا، طال بينهم الشقاق، وكثرت الوقائع حتى استنقذوا بالإسلام وتآخوا. وصدق الله: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الأنفال 62 - 63.
والقلب مكمن المشاعر، ومناط الأهواء، ومستقر الخير، ومستودع الشر. لذا اختص بالذكر (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) .