فهرس الكتاب

الصفحة 4541 من 18318

والتآويل كلها تمس الخيوط التي تجدل ذلك الحبل، وتنتهي بك إلى أن حبل الله هو دين الله بكل ما في الدين من خير يعم الآخرة والدنيا. والاعتصام معناه أن تأرز إليه وتلتصق به التصاقًا يقيك ويحتويك.

وإبرازًا لخطورة قضية الوفاق، وتأكيدًا لأهمية الوحدة، أتبع ضمير الجماعة في (وَاعْتَصِمُوا) بكلمة جميعًا، ثم أكد مفهوم الجملة الآمرة بجملة أخرى ناهية- ولا تفرقوا- لتبيين أن الاعتصام ينبغي أن يملأ حياة المسلمين وأن الذين التقوا في رحاب الله، وانتظموا في سلك الشريعة، وارتبطوا في هدي القرآن لا ينبغي أن ينفرط عقدهم أبدًا.

والآيات بما تحمل من تأكيدات تثير كامن الفطنة، وتوقظ قوى الوعي والحذر، وتفرض على المؤمن أن يعرف سبيله ويتحسس مواقع الخطا حتى لا يقع موقعًا يوهي العرا، أو يقف موقفًا يزيل الألفة ويغري بالتنازع ويؤذن بالدمار (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الأنفال 46.

والاختلاف في الفروع جهد طاقة، وتنوع فهوم، فهو لا يخرق قاعدة الائتلاف مالم يؤد إلى جمود، وتعصب، وانطواء أعمى في المذهب، وتناطح ينأى بالفرقاء عن التناصح. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله عليكم، ويسخط لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال. )

ومقام الاعتصام مقام رفيع. والقلوب- وإن سمت فوق الأهواء- لا تبلغ هذا المستوى إلا بتوفيق من الله ودعم منه. والله سبحانه يمتن بهذا الدعم ويذكر بنعمة الإخوة والتأليف (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا .. ) آل عمران 103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت