ويجدر بنا هنا أن نبادر فنرد على مستشرقين يتخذون من هذا الحديث مدخلًا للطعن في عدالة الإسلام والتشكيك في مبدأ المساواة في الإسلام. ويتهمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحاباة وتمييز خاصته، وآله. والحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لم ينسب إلى أهل بيته فضلًا يميزهم عند الله أو يرفعهم على الناس. وهو صلى الله عليه وسلم لم يزن لهم بميزان يغاير ما يزن به لعامة المسلمين. كما أنه لم يوص لهم بدنيا زائدة ولا طلب لهم معاملة خاصة تميزهم على غيرهم. بل لم يزد على أن ذكرنا الله في أهل بيته. وذلك يقتضي ألا نحيف، وألا نحابي. أن نقيم الوزن بالقسط ولا نخسر الميزان. ولعله صلى الله عليه وسلم نظر بفراسة المؤمن فتصور ما سوف يحيق بأهل بيته، ولا سيما من نفوس نفست على بني هاشم شرف النبوة، وورمت أنوفها لما نالوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من ذكر. فوق أن هذا الشرف الجديد قد يورث بني هاشم شيئًا من الزهو والتعالي الذي يثير نوازع الغيرة والحسد في نفوس غيرهم. وقد يجمح ببني هاشم هذا الشعور فيرون أن ما غمر العرب من سيادة وشرف تراث محمد صلى الله عليه وسلم. وهم أولى الناس بتراث محمد. مما يثير أحقادًا دفينة أو يحرك غريزة تنازع البقاء. لكل هذه المعاني كان أهل البيت عرضة للكبت والقهر والظلم وأحوج للوصية.
ومما يؤيد ما ذكرنا من أن المراد بالحبل هو القرآن ما رواه الترمذي والدارمي بسند فيه ضعف. ( ... كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه ... ) .