وفي هدوء المؤمنين الثابتين، وطمأنينة المخبتين القانتين يقول له مصعب (أولًا تجلس فتستمع؟ فإن رضيت أمرً قبلته .. وإن كرهته كففنا عنك ما تكره) .. ما أعظم هذه الكلمات في مثل هذا الموقف. لقد نزلت هذه الكلمات على غضب (أسيد) المتلظى فأطفأته .. وكان رجلًا عاقلًا أريبًا .. فلما رأى مصعبًا يحتكم إلى عقله وضميره .. هدأ .. وانقشعت ثورته وأجابه (لقد أنصفت .. ) ثم ركز حربته في الأرض وجلس يستمع .. ولم يكد مصعب يتلو عليه بعض آيات القرآن الكريم ويبين له العقيدة الجديدة حتى أشرق قلبه بنور الحق ودخل في دين الله من فوره .. وسرى الخبر في يثرب .. وجاء من بعده (سعد بن معاذ) واقتنع وأسلم، ثم أسلم من بعدهما (سعد بن عبادة) .. وكان إسلام هؤلاء وهم زعماء يثرب حافزًا لأن تسلم الكثرة من أهل يثرب ..
وما يكاد الرسول صلى الله عليه وسلم يهاجر حتى تكون يثرب كلها قد أسلمت بفضل من الله ثم بحكمة (مصعب) الداعية العاقل الأريب ..
وتمضي الأيام .. وتلتقي قريش الحاقدة المغرورة بالقلة المؤمنة في بدر .. ويشاء الله أن ينصر أولياءه نصرًا عزيزًا .. فيقتلون سبعين من أئمة الكفر الضلال، ويأسرون سبعين .. من بينهم أخو مصعب ابن عمير .. وما أن يراه أخوه حتى يقول له مشيرًا إلى آسره: (يا مصعب أوصه بي خيرًا) فينظر مصعب إليهم ثم يقول (أشدد عليه جيدًا فإن أمه غنية) ويعجب أخوه غاية العجب فيقول له: (أهذه وصيتك بي يا أخي؟ ) فيجيبه مصعب في غير تردد (لقد فرق بيننا كفرك أما الذي أسرك فهو أخي من دونك) .. الله أكبر ... ما أعظم هذا الفهم لأخوة الإسلام .. لقد أعلن مصعب بحق أن صلة الدم لا قيمة لها مع كفر صاحبها، أما الإسلام فهو رحم بين أهله.
وقد آخى الله بين المؤمنين حيث يقول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة) الحجرات الآية 10.