ثم متى كان أهل الظاهر هم أهل الشريعة؟ وأهل الباطن هم أهل الحقيقة؟.
إن قالوا أن العبد الصالح خضرًا- علم ما لم يدركه موسى، فأقول هذه مسألة سبق الفصل فيها بأن الخضر نبي علمه الله من عنده علمًا غاب عن موسى، كما أن الكليم عليه السلام رسول علمه الله من لدنه علمًا غاب عن الخضر، ولا غرابة في هذا.
وإن قالوا إن الخضر صاحب العلم (اللدني) لأن الله يقول في شأنه (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) فأقول: إن معنى (من لدنا) يعني من عندنا. وكل شيء من عند الله سبحانه: إن كان خيرًا فذلك من فيض الله يؤتيه من يشاء، وإن كان غير ذلك فبما كسبت أيدي الناس، ولا يظلم ربك أحدًا.
وإليك نماذج من القرآن الكريم تميط اللثام عن الفهم لتتضح الرؤية، وليست حصرًا لكل ما جاء في هذا الباب. فمثلًا:
حين فر الموحدون من عسف الشرك وآووا إلى الكهف، لم يكن أمامهم إلا الملاذ إلى الله جل جلاله، فقالوا (رَبَّنَاءَاتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) وهذا رجاء نأمله جميعًا.
وفي أول سورة الكهف يقرر الحق تبارك وتعالى بأنه المستحق للحمد حيث أنزل القرآن الكريم على عبده محمد صلى الله عليه وسلم قيمًا غير ذي عوج لينذر بأسًا شديدًا (من لدنه) وهو عذاب موجع للمكذبين نستعيذ بالله جميعًا منه.
ألست معي أيها الأخ العزيز بأن تفسير كلمة (مِنْ لَدُنَّا) يعني من عندنا ولا تصلح دليلًا على دعوى الحقيقة والشريعة أو الظاهر والباطن؟ وعلى أصحاب هذا المذهب أن يعلموا أن الشريعة هي الحقيقة إذ لو كانت الحقيقة غير الشريعة، فبماذا نسمي الشريعة؟ هي أذن باطلة هزيلة ضلال. وعلى هذا تكون الشرائع الإلهية كلها باطلة ضالة، لا تصلح للقيادة ونظام الحياة، حيث أنها ليست لدنية وغير حقيقة في نظر هؤلاء الأدعياء. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.