والآية تشجب كل عمى في رائعة النهار، ولكنها بالدرجة الأولى تعرض بأهل الكتابين، وترفض مسلكهم، وتحذر من شططهم المودي، ومنهجهم المنحرف. هذا المنهج الذي كان يقض مضجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يتمثله يدب دبيبًا نحو أمته. وحين كان يتفرس القرون فيرى في دياجيرها الأمة ممسوخة، متخبطة، كابية، تنبش مهاوي الأولين. فيظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها) . البخاري لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرها) (أخرجه الشافعي بسند صحيح) ويصدق هذا ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا، وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ولقد روى ابن جرير الحديث عن أبي هريرة مسبوقًا بقسم صريح (والذي نفسي بيده لتتبعن ... ) ثم شفع الحديث بقوله: اقرءوا إن شئتم القرآن: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) التوبة 69.
كل ذلك اتباعًا للهوى، وكفرانًا بالحق، وإدلاجًا مع نوازع الكبر والحقد والحسد وإمعانًا في الضلال رغم بلجة الآيات، ووضوح البينات العقلية والشرعية التي تكفل اتحاد الوجهة، ووضوح الرؤية، وقهر النزعات. لذا ناسب أن يغلظ الله عليهم الوعيد، وأن يشير إليهم إشارة توحي بالنبذ والإقصاء.