والعجب أن تصم الآذان عن كل هذه التحذيرات، وأن يسقط رءوس هذا العصر في وهدات الأولين، ويشتملوا اشتمال الصماء بكل تلك الصفات المرذولة، فينسلخوا عن حقائق العلم، ويعاقروا الأهواء، ويصيروا وفق ما أخرج ابن أبي خيثمة من طريق مكحول عن أنس رضي الله عنه: (قيل يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل. إذا ظهر الأدهان(2) في خياركم، والفحش في شراركم، والملك في صغاركم (3) والفقه في رذالكم)
الوحدة درع غامر
والذين تجمعت فيهم تلك الخلال المقصية عن رحاب الله ينتمون إلى الطاغوت. والمؤمن إنما ينتمي إلى الله مولاه لا يتجاوزه إلى غيره. والانتماء إلى الله إطار جامع تغمره ولاية الله. فالله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، يخرجونهم من النور إلى الظلمات مصداق آية البقرة (257) التي تفرض على المؤمنين وحدة الجهة موحية بما ينبغي أن يكونوا عليه من وحدة الصف والكلمة والغاية والوسيلة. والآية إذ تفرض وحدة جهة الولاء بالنسبة للمؤمن، وإذ تثبت للكافرين تعدد الجهة، وتنوع الأولياء (4) ، تقرر في الوقت نفسه أنهم أشتات تحركهم وحدة الحمأة والهوى والمهوى (5)
والله كي يسبل على المؤمنين أزر الرعاية والولاية نزل الكتاب بالحق، وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (البقرة176)
فجمع بأنوار كتبه على الصراط قلوبًا مهيأة بطبيعتها الطينية أن تذهب بددا بكل واد شعبة مصداق الأثر: إن قلب ابن آدم بكل واد شعبة فمن أتبع قلبه الشعب كلها لم يبال الله بأي واد أهلكه. ومن توكل على الله كفاه.