ثم بين الحق تبارك وتعالى ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان تجاه والديه بيانًا مؤثرًا يعبر عن واجب القلب والجوارح واللسان (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) الإسراء 24 فالرحمة بهما وخفض الجناح لهما، مع ما يفهم من قوله (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) وقوله (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) كل هذه الأعمال التي تصدر عن القلب واللسان والجوارح هي معنى الشكر الذي أمر به الله إذ قال (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) لقمان 14 فالشكر لهما يجب أن يكون شعورًا رحيمًا، وعملًا عظيمًا، وقولًا كريمًا وبخاصة إذا بلغ أحدهما أو كلاهما الكبر فإن للإحسان إليهما في هذه الحال قيمة عظيمة.
وهكذا أوردت الآيات المباركة الدستور القرآني لحقوق الآباء وواجبات الأبناء. فعلى الأبناء أن يبذلوا الحب والعطاء في حسن وسخاء للآباء، وألا يضيقوا بهم إذا ما بلغ أحدهما أو كلاهما الكبر فأصابت الشيخوخة قدرتهما على السمع والبصر والفهم إذ على الإبن أن يستمع لوالديه متأدبًا، وأن يجيبهما متلطفًا مهما تكرر منهما السؤال. ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجل أدرك أحد أبويه أو كلاهما عنده الكبر ولم يدخل الجنة) . وإذا كان الإحسان إلى الولدين في الكبر سبيلًا إلى الجنة كما يفهم من هذا الحديث الشريف فليس معنى ذلك أن عمل الأبناء مهما يكن - يرقى إلى عمل الآباء بل لا يبلغ عمل الإبن عمل والديه في إشفاقها عليه وتربيته والعناية به في صغره وضعفه .. ومما روى في ذلك أن رجلًا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبوي بلغا من الكبر أني ألي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما؟ قال: (لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك. وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما) .