فهرس الكتاب

الصفحة 4661 من 18318

وأُفرج عن ابن تيمية وأصبح حرًا مختارًا في البقاء بمصر أو الذهاب إلى الشام، ففضل البقاء بمصر، لأنه لاحظ رواج الفلسفة الصوفية المتوشحة بوشاح الإسلام، وهي تهدم عقائده السمحة، كفلسفة وحدة الوجود، أو دعوة الحلول والاتحاد، أو دعوة الفيض الصوفي والحقيقة المحمدية، ووجد لهؤلاء الصوفية سطوة كبرى لدى الحكام على الدعوة والدعاة، وكان منطقيًا أن يعلن ابن تيمية رأيه مفصلًا في تلك المعتقدات، فشكاه زعيم الصوفية في ذلك الوقت، ابن عطاء الله السكندري إلى الحاكم، فأمر الحاكم بعقد مجلس بدار العدل فانتصر ابن تيمية نصرًا مؤزرًا في هذا المجلس، لكن هذا النصر أثار حنق الصوفية وبغضهم له، فبحثوا في فتاويه عما يثير الناس عليه، ووجدوا ذلك في فتوى نشرها بأنه لا يجوز الاستغاثة بمخلوق حتى لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعقد لذلك مجلس آخر، سئل فيه عن قوله، فأبانه بما يليق بعقيدة الإسلام، فقال أحد العلماء الجالسين: إن هذا ليس فيه شيء .. ، فرد ابن عطاء الله السكندري ثائرًا: إن هذا قلة أدب .. ، ولم يستطع أن يقول إن هذا كفر، لأنه هدم معتقدًا صوفيًا يتوارثه الصوفية المتفلسفة، بيد أن المسألة عند المناظرة مسألة دليل وبرهان، فينتصر ابن تيمية مرة أخرى، وزادت أحقادهم عليه أكثر، واشتعلت نار أكبادهم، ودسائس علمائهم، وإزاء هذه الضجة خير ابن تيمية بين ثلاث، البقاء في مصر بلا دعوة، أو الخروج إلى الشام بلا دعوة أيضًا، أو الحبس في سجن القلعة، فاختار السجن، وما لبث أن قرر مجلس الفقهاء والقضاة الذي عقد بالصالحية خروجه من ابن تيمية من السجن عزيزًا كريمًا ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت