ثم ترد السورة الإنسان إلى مصدر هذا العلم وواهبه وهو الحق جل وعلا حتى لا يغتر بعلمه فيكون ذلك وبالًا عليه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) أي أنك لا تقرؤه بقوتك ولا بمعرفتك لكن بحول ربك وإعانته فهو يعلمك كما خلقك من عدم ولم تك شيئا ..
والإنسان في هذه الحياة يصيبه في كثير من الأحايين غرور وإعجاب ينسى معه اصله وبدايته فيتعالى على خلق الله وينال منهم بقدر ما أصابه من الغرور والكبر حتى أن بعضهم يتمايل يمينًا ويسارًا إذا ما ليس حذاء جديدًا ذا طبيعة خاصة وكأنه استمد من نعله شرفًا في نسبه وعراقة في أصله! إنه الكبر الذي يملأ صدور أقوام فيعيشون وهم يرون خلق الله دونهم شرفًا ومكانة! وتأتي أول كلمات الوحي لتذكر البشر بأصلهم الذي منه بدءوا (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَق) ثم ثم تؤكد السورة مرة أخرى على القراءة (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) حتى لا يفهم البعض - كما هو حادث الآن - أن القراءة هواية تؤتى وتترك! وهذه هي المأساة التي يعيشها المسلمون اليوم، وأصبح بسببها المسلم يؤمن بكتاب يجهله! فهو لا يعرف من القرآن إلا رسمه. أما الأوئل الذين نزل فيهم القرآن فقد عاشوا حياتهم له وبه قراءة وحفظًا وفهمًا وتدبرًا وتطبيقًا ..
ثم تشير الآيات بعد ذلك إلى أن للعلم وسائل يجب أن تلتمس فهو ليس علمًا لدنيا كما يدعي المتصوفة ولكنه علم مسبوق بأسباب تحصيله (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون) التوبة 122. ولذلك جاءت الآيات مشيرة إلى تلك الوسائل في قوله سبحانه (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم) .