وقد استهل النبي صلى الله عليه وسلم حديثه الأول بقوله عن رب العزة (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به) لأمر هام إذ أن فحوى هذه الجملة أن العبد يجب أن يتوفر في صومه الإخلاص لله، وهو عنصر توحيد الله في العبادة، وأي عبادة يفقد صاحبها الإخلاص هي عبادة باطلة. وأي عبادة سوى الصوم يمكن أن تكون مراءاة إلا الصوم فإنه يكتنفه السر بين العبد وربه إذ يمكن أن يتناول الإنسان المفطرات دون أن يراه الناس، فجاءت هذه الجملة لتقول إذا لم يكن صومك لله وحده فلا داعي له. وقوله صلى الله عليه وسلم (والصيام جنة) بضم الجيم يعني وقاية، وفي لفظ آخر (ما لم يخرقها بالغيبة) . أما قوله صلى الله عليه وسلم (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق) أما الرفث فهو الفحش بالقول والفعل، والفسق معناه الخروج عن طاعة الله. وفي رواية أخرى (ولا يصخب) ومعناه رفع الصوت بلا مناسبة. وهذا يعلمنا آداب الصوم وما يجب أن تكون عليه أخلاق الصائم. ولما كان اليوم يجمع بين الليل والنهار .. فإنك ترى من يفهمون أن هذه الآداب يلتزم بها الإنسان في نهاره فقط، حتى إذا أقبل الليل حل له جميع الموبقات التي منع نفسه منها أثناء النهار بحجة الترفيه من عناء الصوم .. بل بلغ من شدة الغفلة عند بعضهم أن يلعبوا الورق والنرد في ساعة العصر وهم يظنون أن ذلك تسلية لوقت الصيام.
وإذا كان الإسلام لا يمنع رد عدوان من اعتدى عليك في مثل قوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) الشورى 40 فإنه في رمضان يدعو إلى العفو والإصلاح (وإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم) غير أن المفاهيم قد انقلبت تمامًا عند بعض الناس .. فإذا ما رأوا إنسانًا شرس الطبع سيء الخلق في نهار رمضان قالوا دعوه لأنه صائم .. وكأن الصوم سبب في سوء الخلق .. وهكذا يلصقون التهم بالصوم.