كان طبيعيًا أن يلفت هذا الإفلاس في القيم والمثل أنظار المفكرين الذين يحنون على البشرية ويحبون لها أن تحيا الحياة الطيبة وأن يمعنوا النظر في هذه النظم بعدما ثبت لهم فشلها وعدم قدرتها على تحقيق سعادة الإنسان وتوفير هناءته.
إنه لابد لها من بديل يحل محلها ويقوم مقامها كي تصل الإنسانية إلى كمالها المنشود وسعادتها المرجوة.
وليس ثمة بديل سوى الدين.
والدين وحده هو الذي يستطيع أن يحدث التغيير في نفوس الأفراد، وبتغيير نفوس الأفراد يتغير المجتمع تبعًا للقاعد العامة:
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) .
إن الدين فطرة من الفطر التي فطر الله الناس عليها، وهو ضرورة كضرورة الضوء للعينين والهواء للرئتين والروح للجسد.
والدين يمثل أكرم صلة بين الخالق والمخلوق، بين السماء والأرض، فإن أشرف ما في الأرض الإنسان وأشرف ما في الإنسان قلبه، وأشرف ما في القلب الإيمان بالله خالق الوجود وواهب الحياة.
والدين قيمة خلقية فإن الإنسان له غرائز طبيعية واستعدادات نفسية وميول فطرية، وهذه الغرائز والاستعدادات والميول هي التي توجه الإنسان وترسم له خطوط سيره، فإذا تركت وشأنها نزعت به إلى شر منزوع.
فإن من الناس من تغلب عليه الشهوة البهيمية فيكون في ممارسته لها أحطَّ من البهائم.
ومنهم من تغلب عليه الشهوة الغضبية فيكون في ظلمه وبغيه وعدوانه وانتقامه أضرى من الوحوش المفترسة.
ومنهم من تغلب عليه الشهوة الشيطانية فيكون مثل إبليس في المكر والكيد والخبث والنفاق والرياء والكذب والخداع والتضليل والتمويه.
والدين وحده (هو الذي يطهر النفوس) بعقائده وشرائعه وآدابه ومثله، هو الذي يطهر النفوس من هذه النقائص البهيمية والغضبية والشيطانية.
وهو الذي يهذب الغرائز ويعليها ويوجهها إلى خيرها وبرها، فهو الذي يكبح جماح الشهوة البهيمية فتكف عن التدلي والتسفل والشره، وهو الذي يوجهها إلى الاتصاف بالعفة والقناعة والنزاهة والشرف.