وهو الذي يمنع الشهوة الغضبية من الاسترسال في الظلم والبغي والعدوان والمسارعة إلى الانتقام ويوجهها إلى الشجاعة في الحق ومواجهة الباطل بالعنف ومناصرة الضعيف وإغاثة الملهوف.
وهو الذي يطارد وساوس الشيطان وحظه في النفس ويحول شروره وآثامه إلى الصدق والإخلاص والطيبة والسماحة وصفاء السريرة والمحبة والمودة وحب الخير للناس.
والدين هو الذي يوجه إلى إرادة الخير وكراهة الشر. وهو الذي يغرس في النفس حب الحق والعدل ومقت الباطل والظلم.
وهو الذي يحبب إلى الناس المعاونة والمؤازرة بالمال والعلم والإرشاد.
وهو الذي يفجر في النفس مشاعر الرحمة والعطف والتواضع ويميت القسوة والغلظة والكبرياء.
وهو الذي يدفع الإنسان دفعًا إلى النشاط الإنساني ويجنبه كل ما من شأنه أن يعوق النشاط التعاوني البار الرحيم.
وهو الذي يوجه إلى عمل الدنيا وعمل الآخرة ويجنب المرء الكسل والضعف والخنوع والرضا بالدون.
والدين هو الموجد للضمير والضمير هو الشعور النفسي الذي يقف من المرء موقف الرقيب يحثه على أداء الواجب وينهاه عن التقصير فيه، ويحاسب بعد أداء العمل مستريحًا للإحسان ومستنكرًا للإساءة.
وهذه الفضائل مجتمعة هي التي تكفل إيجاد فرد مهذب وأسرة سعيدة ومجتمع فاضل ودولة رشيدة وحضارة راقية ومدنية زاهرة.
إن الدين هو الذي يحقق إرادة الله في إيجاد كيان قوي يمثل الفضيلة ويجسمها في صورة عملية منظورة جديرة بكرامة الإنسان.
ويبقى بعد ذلك أن نتساءل ما هو الدين الذي يستطيع أن يصنع ذلك كله؟
لا يمكن لأي دين أن يزعم أنه يستطيع أن يقوم بهذا الدور الخطير.
فقد ثبت أن المسيحية مكنت ألف سنة تحكم أكثر من دولة وكان حصاد هذه القرون المتطاولة الظلام والجهل والظلم والاستبداد والفوضى والاضطراب.
ولم تر الأمم المسيحية النور ولم تنهض نهضتها الكبرى إلا بعد أن تخلصت منه وعزلته عن الحياة.