وقد مرت البشرية من أول الخليقة إلى الآن بتجارب متتالية، تؤكد أنه لا علاج للقضاء على السرقة، إلا بقطع اليد، وجاءت الأديان بذلك من قبل، فقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فقال: (إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) . وفي رواية: (وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه) ، بل إن هذا الحكم قد جاءت به الشرائع الوضعية في بعض الأوقات، فنجد في كتاب الهندوس المقدس (منوسمرتي) في باب قضايا السرقة مادة (32) إذا كان المسروق: خمسين (بل) ، يعاقب السارق بقطع اليد. فهذه هي الشريعة الهندية التي هي من وضع البشر، وهي من أقدم الشرائع الوضعية في العالم، ومع ذلك فقد فطن واضعوها، إلى أنها لن تعتبر شريعة منتجة إلا إذا قامت قوانينها على ما يفيد ويجدي، وينفع المجتمع ويثبت للناس صلاح هذه الشريعة. كما قد رأى واضعو هذه الشريعة أن حياتهم لن تكمل، وملكهم لن يستتب إلا بتنفيذ مثل هذا القانون والعمل على استقرار الأمن بذلك.
فقد جاء في أول مادة من مواد قضايا السرقة: على الملك أن يشدد العقاب على اللصوص، لأن الملك الذي يفعل ذلك تذيع شهرته ويعتز ملكه.
فإذا جاء شرع الإسلام بقطع يد السارق فليس هذا ببدعة في تاريخ الأديان، ولا في تاريخ الشرائع، وإنما هو العلاج الذي أجمع عليه بعد أن مرت البشرية بتجاربها، ووصلت إلى المرحلة التي مرت فيها بكل لون من ألوان الحضارات، وكل دين من الأديان. بعد أن نضجت عقليًا وفكريًا واجتماعيًا، وأصبحت جديرة بأن تحيا حياة النور والأمن، وتترك شريعة الهمج والرعاع، وتصل إلى النضج الكامل الذي تعيش فيه في الأمن والاستقرار، وتتفرغ للعمل عالميًا لكل ما ينتج ويفيد، أي تصل إلى التمدين الحقيقي. ولذلك كان مجيء الإسلام، في وقته.