فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم وهم على هذا الوضع، شرع كعلاج لهذا أمرين لهما قيمتهما في ميزان حفظ التوازن في المجتمع، واستقرار الحياة، هذان الأمران هما: قطع يد السارق، وفرض الزكاة: صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فالسارق لأجل إظهار بطولة أو فتوة تقطع يده دون جدال. هذا إذا اقتصر الأمر على السرقة، وأما إذا أضيف إلى السرقة قتل، وإرهاب وإشاعة جو الفوضى، والخروج على القانون العام، فقد تكفلت بذلك الآية القرآنية: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) وهكذا جاء القانون الإسلامي في هذه الناحية حازمًا كل الحزم، لا يترك لفاسد أو مفسد تهاونًا أو تساهلًا يستمر به على فساده، أو إخلالًا بالأمن والاستقرار. ثم يأتي بعد ذلك دور الفقير الذي سرق ليأكل، وهنا نجد أن الإسلام قد قطع عليه هذا الطريق بإعطائه من الزكاة وكفل له حق العمل حتى يصل إلى حد الكفاية فإذا سرق بعد ذلك، انضاف إلى النوع الأول، وقطعت يده.
فحد قطع يد السارق بناءً على هذه لا يتصف بوحشية ولا همجية كما يدعي ذلك من لا يفهمون الإسلام، فمن المدنية، ومن البعد عن الوحشية والهمجية، أن نحفظ على الناس أمنهم، وأن نعايشهم في مجتمع آمن يسوده الهدوء والأمانة، ومن الوحشية والهمجية، أن نجادل في قطع يد السارق ونحاول أن نصرف عقوبته إلى غير ذلك؛ لأنه قد قامت التجارب كما تقدم أنه لا علاج لهذا المرض إلا بقطع اليد التي تتعدى حدود الله وحدود القانون والمجتمع، وتمتد إلى ملك الغير وما هو في حرز المثل، فتسلبه من أهله الآمنين الوادعين. وإني أكرر وأكرر أن مقياس المجتمع المتمدين ومقياس المدنية فيه، إنما هو بما يسوده من أمن، واطمئنان على الأموال والأنفس وبما يقل أو يمتنع فيه من السرقات.