فهرس الكتاب

الصفحة 498 من 18318

إن الرجل صائم، وفي العشر الأواخر من رمضان، ولا يطيق كل هذا العذاب .. وإن عمره قد تخطى الخمسين .. وهذا هو الشيب قد خطه، وبدا في مفرقه وفي لحيته على الرغم من الحناء التي يختضب بها ..

ولكن كل ذلك لا يبعث أثارة من رحمة في قلوب جلاديه .. إنها قلوب قدت من صخر!!

والجلاد الأعظم - أو أمير المؤمنين المعتصم - يهز الجلادين ويزجرهم قائلا: (شدوا .. قطع الله أيديكم) !

ويعترف أحد جلاديه واسمه (شاباص التائب) فيقول: (ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا لو ضربتها فيلا لهدمته) !

ويعترف (شرطي) من الذين شاهدوا تعذيب الشيخ وربما شاركوا فيه اسمه (إبراهيم بن مصعب) يقول: (ما رأيت أحدًا دخل على السلطان، أو خالط الملوك أثبت قلبًا من أحمد يومئذ، ما نحن في عينيه إلا كأمثال الذباب) !!

يالله .. يالله .. كل هؤلاء الجلادين، وما لهم من صولة وسطوة، واستبداد وتحكم، وقوة بطش .. لا يزيدون في نظر الشيخ عن (الذباب) !!!

9 -لقد كانت صورة البطولات والفداء تملأ خياله وعقله ووعيه ولا تغيب عنه لحظة واحدة، كان يرى في قصص الأنبياء وأتباعهم زادًا روحيًا لا ينفد بل .. ربما قيض الله له من الناس من يزيد ثباتهم ثباتًا، وصبرهم صبرًا، فهذا لص فاتك يلقاه، ويقول له: لقد جاهدت في سبيل الشيطان، فجاهد أنت في سبيل الرحمن.

يقول ابنه عبدالله كنت كثيرًا ما أسمع والدي يقول: (رحم الله أبا الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم) فقلت: يا أبت من أبو الهيثم؟ فقال: لما خرجت إلى السياط، ومددت يدي للعقابين إذا أنا بشاب يجذب ثوبي من ورائي، ويقول: تعرفني؟ قلت: لا قال: أنا أبو الهيثم العيار اللص الطرار مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوط في عقوبات متفرقة، وصبرت على ذلك في طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت على طاعة الرحمن لأجل الآخرة والدين).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت