فهرس الكتاب

الصفحة 5036 من 18318

وبقيت الفتنة وهو حديث يثير في نفس كل مؤمن مشاعر الأسى والألم. ولا بد لنا من تحرى الصدق فيه. فقد كثر حوله الاختلافات والروايات. ويكفى ما تركت في حياة المسلمين ونفوسهم جرحًا لم يندمل بعد. وهذه الفتنة لم تنشأ فجأة. ولم ترتبط بحادث واحد. وإنما هي أحداث ومواقف تراكم بعضها فوق بعض. ولقد كان من الابتلاء أن تتفجر في هذه الفترة المثالية من تاريخ الدولة الإسلامية حيث بدأ المجتمع أو الجيل الأول الذي عاش الدعوة وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم ينقص شيئًا فشيئًا بالرحيل في جوار الله ويحل محله جيل آخر أقل من سلفه في قوة الإيمان وإيثار الآخرة والقيام بحقها. يحدث ذلك في الوقت الذي فتح الله فيه على المسلمين الفتوح وأجرى بين أيديهم الأموال وبسط لهم في الملك فاتسع سلطان المدينة ليشمل جزيرة العرب والعراق وفارس والشام ومصر وبعض الجزر في البحر المتوسط. هذا التطور في المجتمع الإسلامي الذي ضم إلى غير العرب أجناسًا أخرى. وعثمان رضى الله عنه على تقواه وروعه وفضله وجهاده في سبيل الله - وقد جاء في أعقاب عمر الذي عرف بالشدة والحزم - قد عامل الكثير باللين والسماح لهم بالخروج من المداينة ومزاولة ما يحبون من العقار والأموال على عكس ما اتبعه عمر معهم رضى الله عنه. ومن مظاهر لين عثمان أيضًا استجابته لرغبات المفتونين من أهل الكوفة والبصرة في تغير الولاة. فكانت هذه الاستجابة إضعافًا لسلطان الولاة عليهم. ولقد ترتب على ذلك أن طمعوا في الخليفة ذاته. وتجرأوا عليه لما رأوا من رقته وعدم الضرب على أيديهم. فطالبوه في نهاية الأمر بعزل نفسه. ويذكر أيضًا في هذا الصدد أنه رضى الله عنه وقد ولى الخلافة وهو في السبعين قد أسند إلى ذوى قرباه - ثقة منه فيهم - أهم ولايات الدولة فضلًا عن الشام التي كان يليها معاوية منذ خلافة عمر. ولم يكن يحاسبهم كما كان يصنع سلفه. مما أدى أن بعضهم كان يقطع الأمر دون أن يرجع إلى الخليفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت