فهرس الكتاب

الصفحة 5205 من 18318

وإذا كانت خلافة على قد أحاطت بها المشكلات وحاصرتها المتاعب وأنهكتها الحروب فإن الفترة التي أعقبت النهروان لا ريب كانت أعقد فترات هذه الخلافة وأشقها على الإطلاق. وكانت كل الشواهد تدل على أن أمر علي إلى انتهاء حتى كانت سنة أربعين للهجرة وكل من علي ومعاوية على ما بيده من أقطار الدولة حتى اجتمع ثلاثة رجال من الخوارج هم عبد الرحمن بن ملجم، والبرك بن عبد الله، وعمرو بن بكر. فتذاكروا أمر الناس وأحوالهم وقال بعضهم لبعض: لو قتلنا هؤلاء الأثرة فأرحنا منهم البلاد وثأرنا بهم إخواننا. فقال ابن ملجم أنا أكفيكم علي بن أبي طالب. وقال البرك أن أكفيكم معاوية. وقال عمرو أنا أكفيكم عمرا فتعاهدوا وتواثقوا بالله على ذلك- أليسوا خوارج أيتعاهدون بالله على القتل والغدر - واتفقوا على أن يوم التنفيذ هو السابع عشر من رمضان هذا العام 40هـ- رغم أن رمضان موسم بر وتقوى واغتنام الخير من الله فأما ابن ملجم فقد وافقت ضربته عليا بسيفه قضاء الله فلم يلبث حتى لحق بربه، حين فاجأه وضربه لحظة خروجه من منزله لصلاة الفجر في المسجد الجامع. على حين أخطأ البرك وعمرو صاحبيهما فلم يقتلا. وهكذا قضى رضي الله عنه شهيدًا بعد أن امتدت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر كاملة. وكانت سنه يوم وفاته ثلاثة وستين عامًا. في ذمة الله وجواره مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا. ونذكر بالثناء الحسن بن على رضي الله عنهما - وهو رجل سلام- تمكن من حقن دماء المسلمين وكره أن يقاتل معاوية لما كان يعرفه من حقيقة أهل العراق الدين كانوا سبب ما لحق أباه، وأنهم لا يلحق بهم نصر ولا يوثق لهم بعهد. وما لبث الحسن بعد تبادل الرسل مع معاوية ومبايعته بالخلافة في شهر ربيع الأول عام41هـ الذي سمي بعام الجماعة بعد عهد طويل من الفرقة والتمزق والبلاء. ولكنهم عاودا إلى الاعتصام بحبل الله المتين واستأنفوا مسيرة الفتح الإسلامي. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت